الجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية ونصرة فلسطين
     الأربعاء، 26 تموز 2017

الصفحة الرئيسية -->كتب ودراسات -->حول حق عودة اللاجئين الفلسطينيين 20/5/2011


أرسل لصديق طباعة حفظ
 

حول حق عودة اللاجئين الفلسطينيين 20/5/2011

حول حق عودة اللاجئين الفلسطينيين؛ قانون العودة اليهودية؛
والهندسة الاجتماعية السياسية الامريكية في فلسطين التاريخية
د. نورالدين عواد
"الحقوقُ لا تُشحَذُ، بلْ بحدِّ السّيفِ تُنتَزَعُ"
"الجنرال الكوبي الملحمي أنطونيو ماسيوANTONIO MACEO"
ملاحظة: هذه الورقة اعدت كجزء من الابحاث الخاصة برسالة دكتوراة، انجزها الكاتب وتتناول الفترة الخاصة بعهدي الرئيس الامريكي جورج بوش الابن (2001 ـ 2009)
 * * *
حق عودة اللاجئين الفلسطينيين
                                                          " الحقوق كما المباديء: غير قابلة للمساومة"
قرار 194/1948 الذي ينص على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى اراضيهم وممتلكاتهم في وطنهم الذي سلبته “اسرائيل”، تكرر 110 مرات في قرارات الامم المتحدة، مما يترتب عليه تعهدا ثابتا من قبل الشرعية الدولية[1] بتجسيد هذا الحق: اي تحويل حق العودة الى عودة محققة.
على امتداد تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني، يتعرض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم وممتلكاتهم وفقا لقرارات الشرعية الدولية المعنية بالامر ad hoc، لمناورات ومؤامرات ومخططات انفرادية ومتعددة الاطراف، بهدف القضاء عليه حقوقيا وسياسيا، وخلق امر واقع يجعل من تحقيقه مهمة مستحيلة. لقد احبطت نضالات الشعب الفلسطيني "243 مخططا لاعادة توطين اللاجئين خارج فلسطين التاريخية (...) 98% منهم يصرّون على العودة الى اراضيهم وممتللكاتهم الاصلية؛ فقط 1% يقبلون العودة الى اراض محررة في الضفة الغربية وقطاع غزة"[2].
في الثقافة السياسة العالمية، العامة والرسمية، ونظرا لوسائل الاعلام الجماهيري التي تسيطر عليها الامبريالية الصهيونية، ونظرا لجهل وعجز ولامبالاة القيادة السياسية العربية الفلسطينية منذ 1967، ترسخت معلومة تقول بان القدس الغربية لا تنتمي الى الفلسطينيين، بل الى دولة “اسرائيل”. ولذلك، فان قرارات الامم المتحدة وغيرها من الهيئات الدولية وبشكل خاص المفاوضين الفلسطينيين والاسرائيليين، يتحدثون، جميعا وطيلة الوقت، عن القدس الشرقية، كعاصمة متخيّلة في المستقبل لدولة فلسطينية افتراضية. غير ان الراحل فيصل الحسيني وثّق في بيت المشرق (في القدس الشرقية) ان "عرب المدينة يمتلكون 75% من الجزء الغربي"[3].
لقد اثبتت التجربة بانه ليس من الممكن استرجاع الحقوق الوطنية الفلسطينية الكاملة، دون تبني المقاومة الشاملة كخيار استراتيجي، ومركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للامتين العربية والاسلامية، اهتداء بالمقولة الاستراتيجية الخالدة التي اطلقها قائد القومية العربية جمال عبد الناصر:" ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة".
“اسرائيل” و حق عودة اللاجئين الفلسطينيين
كانت وزيرة خارجية "اسرائيل" تسيبي ليفني  Tzivi Livni جازمة،  عندما اعربت عن موقف دولتها، ازاء الصيغة التي تدفع بها ادارة بوش الابن (حل الدولتين): "مقترح “اسرائيل” يستند الى دولتين: “اسرائيل” كوطن قومي لليهود، ودولة فلسطينية تكون الحل القومي لللاجئين"[4]. يشكل هذا الموقف استمرارية لرؤية مؤسسي دولة “اسرائيل” الصهيونية منذ عام 1948: "جوزيف ويتز Joseph Witz، رئيس الصندوق القومي اليهودي، كتب في مذكراته انه منذ اغسطس من عام 1948، تقرر ان تشن “اسرائيل” حملة اعلامية لكي تقنع الراي العام العالمي، بانه لم يعد هناك فضاء يعود الفلسطينيون اليه، وانه لم يكن امامهم الا فرصة واحدة ووحيدة لانقاذ ممتلكاتهم: بيعها والاستفادة من سعرها لتوطينهم في مكان آخر (...) ابا ايبان، وزير خارجية “اسرائيل” سابقا، اوصى بن غوريون بتاريخ 14 يونيو 1948، بان لا يركض خلف السلام وان يكتفي باتفاقية الهدنة (...) لان العرب قد يطلبوا منا ثمنا للسلام، ترسيم الحدود وعودة اللاجئين او القضيتين معا"[5].
الادارة الصهيونية الجديدة بزعامة بنيامين نتنياهو B. Netanyahu، تميل الى مواقف سياسية اكثر تطرفا وتعنتا، بخصوص عملية التسوية السلمية للصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، منتهزة موازين القوى السائدة على المسرحين المحلي والدولي، من اجل فرض رؤاها ومصالحها. اذا كانت الحكومات الصهيونية المتعاقبة لغاية نهايات عام 2008، توافق، صراحة او ضمنا، على عودة اللاجئين الفلسطينين فقط الى اقطاعية الدولة الفلسطينية الافتراضية، فان نتنياهو يفاقم هذه المتحارجة، ويحاصر عمليا الامكانية البعيدة للتوصل الى اتفاق قابل للحياة مع الفلسطينين.
لكي يقبل رؤية بوش ـ اوباما تجاه حل الدولتين (و في هذا الشعار يوجد  تجريد مبيّت للمعنى الحقيقي للدولة) يطالب نتنياهو بتنفيذ شروط مثل: "يجب ان تكون “اسرائيل” دولة يهودية تعبر عن الطموحات القومية لـ "الشعب اليهودي"؛ يجب بناء الدولة الفلسطينية على اسس امنية، تضمن الامن الحالي والمستقبلي لـ”اسرائيل”: دولة منزوعة السلاح والجيش، دون قدرة على ابرام تحالفات عسكرية مع اية دولة اخرى؛ توافق على تموضع رادارات ونقاط مراقبة اسرائيلية داخل حدودها، وبمشاركة امريكية؛ وتوافق على حل قضية اللاجئين في اي مكان، باستثناء تخوم “اسرائيل”"[6]. بمعنى، يجب على اللاجئين الفلسطينيين ان يبقوا بعيدين عن فلسطين التاريخية، لا يهمّ اين وكيف والعواقب. بايجاز، في هذا التناقض التناحري يكمن جوهر القضية الفلسطينية وجوهر مخطط الائتلاف الدولي المعادي لتلك القضية.
قانون العودة اليهودية الاسرائيلي
في عام 1950، قامت دولة “اسرائيل” التي انشئت على جزء من ارض فلسطين التاريخية، بسنّ  "قانون عودة" يخصّها، بعد عامين اثنين من تبني الامم المتحدة للقرار 194، الخاص بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم واراضيهم وممتلكاتهم، والحصول على تعويضات مادية ومعنوية عن الاضرار التي لحقت بهم.
ينص قانون العودة الصهيوني على ان اي يهودي، من اي عرق او جنس او دين او لغة او ثقافة او قومية، من اي مكان في العالم، له حق تلقائي في الهجرة الى فلسطين التاريخية، والاستيطان في اراضيها، على حساب السكان العرب الاصليين. وفي الاعوام الاخيرة، شمل قانون العودة الصهيوني المهاجرين غير اليهود، الذين يستوفون مستلزمات خاصة، مثل الخدمة لمدة عامين في الجيش الاسرائيلي، وفقا للوائح المؤسسة العسكرية ووزارة الاستيعاب والهجرة.
في حين لا تفي دولة “اسرائيل” بقرار صادر عن الشرعية الدولية (194) والذي كان الالتزام به شرطا لقبول عضويتها في المنظمة الدولية، فانها تفتح ابواب فلسطين التاريخية المحتلة امام الاسترزاق الدولي، وهذا السلوك في حد ذاته، جناية ينص ويعاقب عليها القانون الدولي.
ابراهام بورغ Abraham Burg، رئيس الكنيست (البرلمان) سابقا، في كتابه بعنوان "لالحاق الهزيمة بهتلر"[7] يقول ان "“اسرائيل” غيتو صهيوني وعش للعنف" ويتطرق الى ما يسمى بـ "قانون العودة" الذي سنته دولة “اسرائيل” للتصدي لقرار الامم المتحدة رقم 194، الذي يكرس حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى وطنهم واراضيهم وممتلكاتهم، التي سلبتها الدولة الصهيونية منذ تاسيسها عام 1948. يرفض بورغ ذاك القانون، اذ يرى ان "الخلل في هذا القانون، هو انه يشكل انعكاسا لعقيدة هتلر (قانون العودة يمنح الجنسية الاسرائيلية لكل شخص مولود في الشتات، ويعتبر يهوديا وفقا للتقليد الديني الاورثوذوكسي، وهذا تعريف وارد حرفيا في قوانين نوريمبرغ). وانني ارفض ان ارى هويتي يعرفها لي هتلر. يجب الحاق الهزيمة بهتلر"[8].
اليسار اليهودي وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين
ايلان بابيه Illán Pappé، مؤرخ يساري يهودي، في كتابه بعنوان "التطهير العرقي في فلسطين" “Ethnic Cleansing in Palestine”، "يلقي الضوء على المجازر والطرد بحق الفلسطينيين  عام 1948، عندما تم تدمير 531 قرية وطرد اكثر من 800 الف فلسطيني (بين 30 مارس و15 مايو 1948 احتلت القوات الصهيونية 200 قرية وطردت سكانها العرب) (يقول) انها قصة بسيطة ومرعبة لتطهير فلسطين من السكان الاصليين. انها جريمة بحق البشرية، لا زالت “اسرائيل” تحاول انكارها ولتجعل العالم ينساها. استعادة الذاكرة (...) هي قرار اخلاقي وخطوة اولى يجب ان نقوم بها، اذا ما اردنا اعطاء فرصة للمصالحة واقامة وتوطيد السلام بين فلسطين و”اسرائيل”[9].
على الرغم من انني اثمن الدور الذي لعبه هذا المؤلف اليساري اليهودي في فضح الجرائم الصهيونية في فلسطين التاريخية لغاية 1948، وفقا للوثائق الصهيونية التي تثبت زيف حججهم، بخصوص الارض والشعب في فلسطين التاريخية، الا انني لا استطييع الا ان ارى النصف الاخر للحقيقة والتاريخ الراهن. بابيـــه يعترف بانعدام اخلاقية ولا شرعية الجريمة الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني، ومع ذلك يبريء ضمنيا دولة “اسرائيل” من المسؤولية، وينكص بفلسطين التاريخية العربية والفلسطينية الى فلسطين مزيفة، يتم الترويج لها في وسائل الاعلام الجماهيري، بايعاز من امريكا و”اسرائيل” والسلطة الفلسطينية: الا وهي الضفة الغربية وقطاع غزة. لهذا، يتوخى بابيــه ضمنيا، شرعنة استحواذ الصهيونية على اكثر من 78% من فلسطين التاريخية، ونسيان الجريمة التاريخية التي اقترفتها الصهيونية وحلفائها، بدلا من احقاق الحقوق الشرعية الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني، كسبيل وحيد لاحلال السلام في الشرق الاوسط.
نورمان فينكليشتين  Norman Fenklestein، الذي يعتبر كاتبا  ومثقفا امريكيا يساريا، وتعرض للملاحقة والطرد من عمله كمحاضر في العديد من الجامعات الامريكية، بسبب آرائه الاكاديمية والسياسية تجاه الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، يقول: " اعتقد انه لا يوجد فرق كبير بين سياسات الديموقراطيين والجمهوريين في امريكا ازاء “اسرائيل”، لكن نعم يوجد تغير هام في الراي العام الامريكي، عبّر عنه لاعبون مفتاحيون في الادارات المتتالية مثل زبيجنيو بريجنسكي Z. Brzezinski وجورج سورس George Zorus، اللذين دعيا الى انسحاب “اسرائيل” من الاراضي المحتلة، وفقا للقرارات الدولية (...) القانون الدولي يحدد حق “اسرائيل” في الوجود داخل حدود 1967، ونفس الامر ينطبق على قضايا اللاجئين والحدود والمستوطنات والقدس"[10].
اعتقد ان التاكيد السابق ليس دقيقا و حتى متناقض. القرار الدولي الوحيد الذي قد يتضمن عناصر "قانون دولي" هو القرار 181/1947 الذي قرر تقسيم فلسطين التاريخية الى دولتين (56% يهودية و44% عربية).  القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة ليس لها صفة الالزام، ومع ذلك تم تطبيق القرار 181/1947. امّا القرار 194/1948 بخصوص عودة اللاجئين الفلسطينيين، وله نفس القوة القانونية الدولية، فلم يطبّق قط.
“اسرائيل” لم تطبق قط اي قرار صادر عن مجلس الامن الدولي، وهي قرارات نعم لها صفة الزامية. فـ”اسرائيل” تقف فوق القانون بفضل النقض (الفيتو) الامريكي. لا توجد اية اداة حقوقية دولية حتى الان، تزكّي حق “اسرائيل” في الوجود على 78% من فلسطين التاريخية؛ فقط 56%.  نعوم شومسكي Chomsky Noam يقع ايضا في نفس الخطأ الذي وقع فيه نورمان فينكليشتين،عندما قال "على الاقل في ظل القانون الدولي، اقيمت الحدود الاقليمية ل”اسرائيل” في يونيو 1967، والبقية 22% هو فلسطين، اي الارض المحتلة"[11].
ان عدم امتثال “اسرائيل” منذ عام 1948 لغاية هذه اللحظة للشروط التي طالبت بها الامم المتحدة، لكي تقبل عضويتها فيها، يجعل “اسرائيل” دولة مارقة وعضو غير شرعي. الرئيس الحالي للجمعية العامة للامم المتحدة النيكاراغوي ميغيل دي سكوتو بروكمان Miguel de Escoto Brookman، طالب لتوه بتطبيق القرار 181/1947 وبان تلتزم الامم المتحدة، باقامة دولة فلسطينية مستقلة، واعتبر ان "اكبر فشل منيت به الامم المتحده كان ولا زال يتمثل في رفض اقامة دولة فلسطينية"[12].
  امريكا وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين
امريكا لا تستخدم الفيتو فقط لحماية “اسرائيل” في مجلس الامن الدولي، بل ولدعم رفضها لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، ومنذ عام 1950 من القرن العشرين، ما برحت تبحث عن صيغة ما لحل معضلة اللاجئين، التي تشكل جوهر القضية الفلسطينية، باستثناء  حلّ عودتهم الفعلية الى فلسطين التاريخية. وبهذا تكون امريكا، الفاعل والمتواطيء مع “اسرائيل” في انتهاك القانون الدولي، وانكار حقوق الشعب الفلسطيني، والمفاوضات المغشوشة قانونيا مع ممثلين فلسطينيين، والتهدئة القسريّة للصراع.
بينما تقوم التسوية السياسية السلمية على اساس دولتين حسب جورج بوش الابن، فان النظرية الاسرائيلية لا تسمح للفلسطينيين بالعودة والاقامة في فلسطين التاريخية، مما يشكل تناقضا واضحا في مسلمات الرؤية السياسية لكلا القوتين، ويسهل على امريكا لعب دور الوسيط في تلك العملية. مع ذلك، وعلى امتداد عملية المفاوضات، وتطبيق اجراءات ملموسة، يختفي هذا التناقض لصالح الرؤية الصهيونية، التي تماثل بين عودة اللاجئين الفلسطينيين، وبين الانتحار السياسي لـ”اسرائيل”، وهذا الامر يؤكد بان امريكا ترى في “اسرائيل” مصلحة قومية، وفقا لما تؤكد عليه الادارات الامريكية المتتالية.
انها نفس الرؤية الامريكية التي تشترط السلام بالامن، والامن بكافة الضمانات والتنازلات التي تطلبها امريكا ودولة “اسرائيل” من الفلسطينيين والعرب، مما يشكل واقعا ينسف جذريا اية عملية مفاوضات جدية وموضوعية. لذلك اعتقد ان عملية المفاوضات الحالية ( وبالتحديد منذ العهد الرئاسي الثاني لادارة بوش الابن) ولكونها تفتقر الى المستلزمات التي لا غنى عنها في تلك العملية، تشكل استهتارا بالراي العام العالمي والقانون الدولي، وغطاء مؤقتا ومشرعنا لعملية تهويد الاراضي الفلسطينية التي تحتلها “اسرائيل”، بحيث انها اذا ما انتهت في يوم ما (صائب عريقات يقول ان الحياة مفاوضات ابدية) لن يكون هناك فضاء جيوفيزيائي (جغرافي طبيعي) للدولة الفلسطينية التي يطبلون لها ويزمرون.
بتاريخ 3 ابريل 2008، صادق مجلس النواب الامريكي بالاجماع، على قرار رقم 185، الذي يعتبر اليهود العرب، الذين غادروا بلدانهم الاصلية، وهاجروا الى “اسرائيل” على انهم لاجئون. وأصرّ المجلس التشريعي الامريكي، على انه يجب ادراج هذه القضية، في اطار اية تسوية للصراع في الشرق الاوسط، على اساس خيار تعويض يهود الدول العربية، او اجبار تلك الدول على التنازل عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى فلسطين التاريخية. قرار 185 "يندرج في سياق الموقف الايديولوجي السياسي للنخب السياسية الامريكية التي تعتبر مشروع دولة “اسرائيل” كجزء من المشروع القومي الامريكي وامنه"[13]. اعتقد جازما بان الادارة الحالية واية ادارة اخرى، لا يمكنها دعم الحقوق العربية الفلسطينية، اذ ان الدول لا تتصرف، عن وعي، ضد مصالحها القومية.
ويسترسل مجلس النواب الامريكي بالقول:" منذ اقامة “اسرائيل” تم اجلاء حوالي 850 الف يهودي من البلدان العربية (...) وليس من اللائق ان تعترف امريكا بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، دون الاعتراف بحقوق مماثلة للاجئين اليهود من البلدان العربية (...) يجب التذكير بمذكرة تفاهم عام 1977 بين جيمي كارتر Jimmy Carter و موشيه دايان Moshé Dayan (...) وتصريحات ويليام كلينتون W. Clinton عام 2000 بهذا الخصوص"[14]. وللتذكير فقط، فان"هذا القرار له اسبقيات في خارطة الطريق لعام 2003، وفي رسالة الضمانات التي قدمها بوش لشارون عام 2004، والتي تزدري حق اللاجئين الفلسطينيين  في العودة، من اجل القضاء على جوهر القضية الفلسطينية"[15].
واذ يحاول مجلس النواب الامريكي استغلال الوضع السياسي الجديد، والمغزى الانساني لمصطلح "لاجئون"، الذي يحاول اضفاءه على المهاجرين اليهود من البلدان العربية، فانه يتبنى هذا القرار 185، من اجل ادراجه على جدول اعمال ادارة بوش الابن، التي تعتزم حل الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني. اعتقد ان النفاق السياسي والاخلاقي للنواب الامريكيين واضح للعيان، فانهم لا يفعلون ذلك في سبيل مبدا او انسانية او عدالة، عندما يوصون بمقايضة حقيرة، بين حقوق اللاجئين الفلسطينيين  و حقوق مزعومة للمهاجرين اليهود العرب الى “اسرائيل”.
مبدئيا، انني على قناعة، بان كافة اللاجئين من اي بلد في العالم، لديهم حقوق انسانية وسياسية، يجب احترامها واحقاقها وفقا للقانون الدولي والاعراف الانسانية. مجلس النواب الامريكي يطمس الفارق النوعي، بين حالة اللاجئين الفلسطينيين (بالصدفة كانت الموجة الاولى منهم عام 1948 تعد حوالي 850 الف انسان) وحالة اليهود العرب، الذين تم اجلاؤهم بشكل اساسي، بفعل الترغيب والترهيب الذي اضطلعت به الحركة الصهيونية العالمية، واجهزة التجسس والاستخبارات الاسرائيلية، واحيانا بالتواطؤ مع بعض الانظمة الاقطاعية العربية، الخاضعة للقوى الاستعمارية الغربية، وبضغط من الادارات الامريكية.
ولهذا السبب، ارى ان جريمة تلك الانظمة كانت مزدوجة: اتاحوا اقامة دولة “اسرائيل” في فلسطين التاريخية، مما ادى الى نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين وفي ذات الوقت، سمحوا بتدفق المغادرين اليهود العرب، للحلول محل اللاجئين الفلسطينيين. منذ بدايات الصراع العربي الاسرائيلي، توجد مئات القرارات الصادرة عن الشرعية الدولية التي تؤكد على القرار الاصلي 194/1948 بخصوص الاعتراف باللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم في العودة الى ارضهم ومتلكاتهم، لكن بالمقابل، لا يوجد اي قرار دولي بخصوص اليهود العرب المذكورين آنفا، ببساطة لانهم ليسوا لاجئين، بل مهاجرين مغادرين بلدانهم، حيث ضخموا الصفوف الديموغرافية والاقتصادية والعسكرية لدولة معادية وفي حالة حرب مفتوحة، مع بلدانهم الاصلية.
على كل حال، اعتقد بان الحل الاشتراكي للقضية الفلسطينية[16] في اطار حل الصراع العربي الصهيوني، واقامة المجتمع الاشتراكي العربي الموحد، قد يقدم الحل اللائق لحقوق كافة العروق والعناصر والجماعات الدينية والمذهبية والطائفية ولكافة المواطنين.
ان دينامية الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني على امتداد اكثر من 60 عاما، قد اثبتت ان "حق العودة حق تاريخي لا يقبل الحلول الوسط (...) وبالتالي فان اية تسوية سياسية ستكون بمثابة فشل سياسي، اذا لم تتضمن حق العودة وفقا للقرار 194،الذي لم يات نتيجة لكرم امريكا و”اسرائيل”. ان القبول باعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين خارج وطنهم (...) يعادل اضفاء طابع شرعي تاريخي على سلب فلسطين التاريخية "[17].
الائتلاف التاريخي بين دولة “اسرائيل” والقوى الامبريالية (بريطانيا العظمى وفرنسا وامريكا) منذ اختلاق الدولة الصهيونية بشكل معاكس للطبيعة، ما فتيء يتآمر باستمرار ضد جوهر القضية الفلسطينية الذي يكمن بشكل اساسي في قضيتي اللاجئين والارض الفلسطينية.
لقد حاول هذا الائتلاف دائما، الحاق اللاجئين الفلسطينيين بالحياة السياسية والاقتصادية في الشرق الاوسط. كافة مشاريع اعادة التوطين التي اقترحتها امريكا و”اسرائيل” ـ من الوطن البديل في الاردن الى دولة في الاراضي المحتلة عام 1967 ـ تتوخى نفس الهدف: القضاء على القضية الفلسطينية، كاساس ومقدمة لاية تسوية سياسية وسلمية للصراع. وفي هذا السياق تقع على ضمير امريكا بصفتها قوة احتلال في العراق، مسؤولية قانونية واخلاقية في تشتيت واغتيال وطرد اللاجئين الفلسطينيين في العراق (مجموعهم 34 الف انسان) وهي نفس المسؤولية التي تحملتها، عندما تعرضت جالية اللاجئين الفلسطينيين في الكويت (نصف مليون انسان) للملاحقة والمضايقة والطرد، على اثر الحرب التي شنتها امريكا وحلفاؤها، من اجل "تحرير" دولة النفط من الاحتلال العراقي في الفترة 1990 ـ 1991.
اثناء جولته في الشرق الاوسط في يناير 2008، صرح جورج بوش الابن في الكويت انه يحتاج الى 150 مليار دولار لتعويض اللاجئين الفلسطينيين[18]. بانطلاقه من ان الكيان الصهيوني "دولة يهودية"، يدعم بوش الابن، مسبقا، جريمة التطهير العرقي بحق 1.4 مليون عربي، وهم اصحاب وجودهم الطبيعي والتاريخي في الاراضي المحتلة عام 1948، ويتجاهل ان ما يسمى بالوطن القومي للشعب اليهودي قائم على 94% من الاراضي ملكية العرب، وفقا لوثائق ساطعة لا يمكن دحضدها. فهو "يلغي حق اللاجئين الفسطينيين في العودة الى اراضيهم وممتلكاتهم وفقا لقرار 194/1948 ويمنع الشعب الفلسطيني من تقرير المصير، وهو حق الزامي في القانون الدولي العام (...) ان التعويض الذي يقدمه بوش الابن ادنى بما لا يقبل المقارنة  مع القيمة الحقيقية لاملاك اللاجئين الفلسطينيين والتي تقدّر بـ 680 مليار دولار، بينما يبلغ ريعها السنوي 30 مليار دولار"[19].
كما يقدر الخبراء الخسائر والاضرار التي لحقت بالممتلكات الفلسطينية بـ 562 مليار دولار، بينما يعترف الزعماء الاسرائيليين فقط، بـمبلغ يتراوح بين 3 و 6 مليار دولار. من وجهة النظر القانونية والحقوقية، التعويض لا يحل محل حق العودة، لانه حق فردي من حقوق الانسان، وحق جماعي في اطار حق الشعوب في تقرير المصير. بالنتيجة المنطقية، التمسك بخيار حق العودة لا ينتقص من الحق في التعويض عن مدة الشتات واللجوء القسري[20].
ائتلاف متعدد القوميات ضد حق عودة اللاجئين الفلسطينيين
ان حزب الصهاينة الفلسطينيين[21] لا يكف عن التامر على والتنازل عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، التي تعترف بها وتكفلها الشرعية الدولية، ويشرعنها التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، وثقافة اسلاف الامة العربية في فلسطين التاريخية.
هناك مجموعة اسرائيلية ـ فلسطينية اسسها زيلبر بينهيون Zilber Benhiun (يهودي فرنسي من اصل مغربي) قبل خمسة اعوام، وما زالت تعمل بدعم وتمويل من الاتحاد الاوروبي وخاصة وزارة الخارجية الفرنسية، والبنك العالمي ومركز بيريس للسلام ومركز دراسات داتا DATA في بيت لحم (الضفة الغربية) وغيرهم، وضعت وقدمت "وثيقة اكس إن بروفينس Aix -en-Provence،( نسبة الى جامعة فرنسية تحمل نفس الاسم) التي تترجم حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم، من لغة العدالة والحقوق التاريخية، الى عناصر اقتصادية بتكلفة 90 مليار دولار"[22].
عن الجانب الفسطيني يتزعم المجموعة صائب بامية، مستشار اقتصادي للاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، وله اسبقيات في التفاوض في اوسلو 1 واوسلو 2. الهدف الوحيد لتلك الوثيقة هو تقديم بديل اقتصادي ـ سلعي عن الحل السياسي لقضية اللاجئين الفلسطينيين امام مؤتمر انابوليس (نوفمبر 2007). الرشوة المعروضة تستند الى خطة كلينتون لعام 2000 من اجل حل عودة اللاجئين. لا يوجد اي خيار من الخيارات التي طرحها كلينتون او هذه المجموعة، يستند الى الشرعية الدولية (194/1948) بل الى الامر الواقع وموازين القوى على الارض، مما يبطل المبادرة، من وجهة النظر الحقوقية والقانونية والاخلاقية، وهذه مفاهيم غريبة تماما عن السياسة الخارجية لادارة جورج بوش الابن.
حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى فلسطين التاريخية يشكل ثاني اثنين من المرتكزات الاساسية للقضية الفلسطينية، ولهذا فانه لا زال يتعرض منذ بداية الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني لهجوم يشنه اللاعبون المباشرون وغير المباشرين في الصراع، لهدف واحد: تصفية هذا الحق باي شكل من الاشكال عسكريا، سياسيا، دبلوماسيا، قانونيا و اقتصاديا. وفي هذا السياق تندرج احدث مبادرتين: المشروع الاوروبي لاعادة توطين اللاجئين مقابل التنازل عن حقهم في فلسطين التاريخية، والمبادرة الكندية من اجل تاهيل اللاجئين الفلسطينيين.
بايجاز، يقوم المشروع الاوروبي على ما يلي: احالة اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية والاوروبية الى اماكن اخرى، تتكفل هذه البلدان بترتيبات لاستقبالهم؛ دفع كميات هائلة من الاموال من اجل تغطية احتياجات اللاجئين في المجالات الاساسية لحياتهم؛ تهيئة مناخ مؤات لهؤلاء اللاجئين والسماح لهم بحرية الحركة والسفر الى مختلف البلدان التي يرونها مناسبة لهم؛ عدم العودة الى قطاع غزة او الضفة الغربية بهدف الاقامة هناك؛ فقط كزيارة لا تزيد مدتها عن ثلاثة شهور لكل زيارة؛ ايجاد ميادين اقتصادية واستثمارية في الاماكن التي تتم اعادة توطينهم فيها، من اجل توظيفهم وإشغالهم طيلة الوقت؛ يوقّع كل اللاجئين على وثائق تنازل او ترك حقوقهم في فلسطين التاريخية، دون المطالبة بالتعويض من احد، لا من “اسرائيل” ولا من الامم المتحدة[23].
اما المبادرة الكندية فهي باختصار، تعود في الواقع الى عام 1992، بعد المفاوضات التي جرت بين منظمة التحرير الفلسطينية و”اسرائيل” على اثر مؤتمر مدريد 1991، عندما تراست كندا مجموعة عمل دولية بخصوص قضية اللاجئين. نشطت المجموعة لغاية 1996 وعقدت العديد من الجلسات تحت عنوان "تاهيل اللاجئين"، بمشاركة “اسرائيل” وبلدان عربية واوروبية.  الهدف الخفيّ لهذه المبادرة يتمثل في تسهيل اعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان التي تستضيفهم حاليا، وذلك بالتطابق التامّ مع الموقف السياسي الاسرائيلي: لا لعودة اللاجئين الى فلسطين التاريخية.
من جهة اخرى، تضطلع الحكومة الكندية بالتنسيق مع امريكا و”اسرائيل” والسلطة الفلسطينية، بدور تدميري للنسيج الاجتماعي الفلسطيني في الاراضي المحتلة عام 1967، من خلال منح تاشيرات وتسهيلات للشباب الفلسطينيين، لكي يهاجروا الى كندا[24]. اي ان كندا تقوم بدور في عملية التطهير العرقي في فلسطين من خلال الهجرة القانونية والمغرية ماليا ومعيشيا.
هندسة اجتماعية سياسية امريكية في فلسطين التاريخية
في عهدها الرئاسي الثاني، فرضت ادارة جورج بوش الابن، على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، رئيس وزراء (سلام فياض) الذي اصبح اكبر نفوذا من رئيسه، نظرا لارتباطاته الحميمة مع امريكا والاتحاد الاوروبي والمؤسسات المالية الدولية.
ان تناقض ديموقراطية الادارة ومفاهيمها حول الحكم والدولة، يبطل على ارض الواقع ما تبشر به نظريا، مما يشكك في مصداقية واخلاقية الادارة وسياستها الخارجية. فالحكم الصالح يعني بناء دولة مؤسسات تقوم على اسس ديموقراطية، وتوسيع مجال المشاركة في السلطان. لا اعتقد ان سلوك حكومة رام الله يستجيب لهذه الطموحات. "لقد تحول سلام فياض نفسه الى مؤسسة على الرغم من انه يمثل كتلة من عضوين، من اصل 135 عضو في المجلس التشريعي الفلسطيني، ولم تتم المصادقة على حكومته من قبل المجلس، ولا من اية مؤسسة فلسطينية، اللهم الا من قبل رئيس السلطة والادارة الامريكية"[25].
قرارات الشرعية الدولية منذ تبني قرار 242 ( 1967 ) لم تتناول طبيعة دولة “اسرائيل”. بيد ان "جورج بوش الابن، كان اول من لمّح الى ان اقامة دولة فلسطينية ديموقراطية، يمكن ان يدفع، باضطراد، امن وازدهار دولة “اسرائيل” كدولة يهودية"[26]. كما ان جورج بوش الابن قد عكف على التخطيط الاستراتيجي الطبيعي لدولة “اسرائيل”. ففي خطابه يوم 16 يوليو 2007، تطرق مجددا الى شان داخلي اسرائيلي، يفترض انه من اختصاص وصلاحية دولة “اسرائيل” : " رئيس الوزراء ايهود اولمرت Olmert E.، اوضح لنا ان مستقبل “اسرائيل” يستند الى تنمية النقب والجليل، وليس الى الاستمرار في احتلال الضفة الغربية (...) تتعهد امريكا بامن “اسرائيل” (...) كدولة يهودية ووطن للشعب اليهودي"[27].
ولم تكن هذه هي المرة الاولى، التي تناول فيها بوش الابن موضوع هاتين المنطقتين الفلسطينيتن المحتلتين منذ عام 1948، والطابع اليهودي لدولة “اسرائيل”. " منذ بدايات عام 2004، اشار بوش الابن، على الاقل اربع مرات، الى النقب والجليل. وتطرق الى “اسرائيل” بصفتها دولة يهودية، على الاقل عشر مرات، بين عامي 2002 و 2007، وفقا لتحليل اجراه معهد التوثيق الرئاسي"[28]. حتى صائب عريقات كبير مفاوضي السلطة الفلسطينية مع “اسرائيل”، لم يستطع استيعاب اصرار ايهود اولمرت على الطابع اليهودي ل”اسرائيل”، فقال "لا توجد دولة في العالم تشترط هويتها القومية بهوية دينية" (...) عريقات على حق. الاستثناء الوحيد هو دولة الفاتيكان، لكن “اسرائيل” لا تقارن نفسها بالفاتيكان، لانها تعلم ان تلك"الدولة التيوقراطية مؤسسة دينية بحتة، تمثل كاثوليك العالم روحيا، دون الحق في تمثيلهم سياسيا"[29].
بخصوص يهود العالم وخاصة يهود امريكا، الذين يشكلون، افتراضيا، المادة الخام والمصدر الديموغرافي لدولة “اسرائيل”، فان اكثريتهم يتكلمون الانكليزية (لا عبرية ولا جديشYedish) ويندمجون تدريجيا في مجتمعاتهم الاصلية. "فاليهود الامريكيون اقل تدينا ويهوديتهم اكثر تأمركا (...) نظام القيم الذي يتبناه اليهود الجدد هو المادي ـ الاستهلاكي، مثلهم مثل جماهير المجتمعات الغربية بشكل عام (ومع ذلك) فانهم يعربون عن هويتهم اليهودية بشكل متعجرف، من اجل صبغها بمضمون صلب، بحيث يشعر اليهودي الامريكي بانه فرد من الشعب اليهودي القديم، وفخور (...) بـرمزه القومي الاكبر: الدولة الصهيونية"[30]. يشكل اليهود الامريكيون جزء تكوينيا من المجتمع ويندمجون في مؤسسات المجتمع السياسي والمجتمع المدني للبلاد. "على الرغم من انهم يشكلون 2% من سكان امريكا، الا انهم يحظون بـ 10% من اعضاء الكونغرس"[31].
صراع الفرد بخصوص هويته يزعزع شخصيته ووعيه، مما يجد تجسيدا له في سلوكه العشوائي واحيانا المتناقض. بخصوص السلوك السياسي لليهود الامريكيين (اكبر جالية لليهود في العالم، وهي اكبر من الجالية اليهودية في دولة “اسرائيل”) يلاحظ وجود نزعتين: الاولى التي تشعر بالاغتراب عن دولة “اسرائيل” لكنها تقدم الدعم المادي لاستيطان فلسطين، (صهاينة بالهوية)، والثانية تهاجر وتستوطن (الصهاينة الاستعماريين) وسلوكها عنيف وفاشي للغاية.
جورج بوش الابن يقدم دعمه للتخطيط الطبيعي الاستراتيجي لدولة “اسرائيل” ونية ايهود اولمرت في سلب الاراضي العربية القليلة المتبقية في الاراضي المحتلة عام 1948 (هناك 110 قرية عربية غير معترف بها على امتداد “اسرائيل”، حسب الرابطة العربية لحقوق الانسان)، اي، تهويد هذا الجزء الكامل من فلسطين التاريخية، مما سيترتب عليه بالنتيجة، نزع ملكية اصحابها العرب الفلسطينيين وطردهم او افنائهم، في اطار عملية التطهير العرقي التي ما انفكت “اسرائيل” تمارسها منذ اختلاقها.
منذ عام 1948، تاريخ دولة “اسرائيل”، لم يكن الا مسيرة من الحروب العسكرية ضد الامة العربية، بحيث ان تلك الدولة " لازالت مصطنعة ودخيلة وغريبة ومصدرا لزعزعة كل المنطقة، وعبء سياسيا وامنيا واخلاقيا على الغرب وخاصة على حليفتها الاستراتيجية الابدية: امريكا"[32].
يمكنني ملاحظة وجود استمرارية في اسقاطات ادارة بوش الابن تجاه “اسرائيل”، بصفتها مصلحة قومية امريكية، مما يعود بالاثر السلبي على القضية الفلسطينية، وذلك من خلال محاصرة مشروعها للحل اضطراديا، والوصول به الى الفشل، نظرا للتناقض بين الفكر السياسي والسلوك الحقيقي للادارة.
لقد استطاعت الادارة الامريكية، بدعم صهيوني، خلق الحزب السياسي للسلطة الفلسطينية: حزب البيروقراطية الفلسطينية الذي كان يتالف في الاصل من الثلاثي: محمود عباس (سياسي)، سلام فياض (اقتصادي) ومحمد دحلان (امني)، وانضم اليهم كل من احمد قريع، ياسر عبد ربه، صائب عريقات، نبيل عمرو، الطيب عبدالرحيم، واحمد عبد الرحمن...ومن لف لفهم، "جميعهم تكفلوا بمفاوضات ومناقصات على الحقوق الوطنية الفلسطينية، على هامش اي نوع من الشرعية او القانونية، التي تمنحها المؤسسات التشريعية والسياسية والعسكرية الفلسطينية"[33].
البرنامج السياسي لذلك الحزب، يرضى بالانتقاص من كافة الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، بالتناغم مع الالحاحات والاملاءات الامريكية والاسرائيلية. وجود الحزب في قمة "سلطان" السلطة الفلسطينية، يسهل عليه تنفيذ المخططات الامبريالية الصهيونية، الرامية الى فضّ الصراع لصالح مصالحهم المشتركة. احد العوامل التي تشكل عناصر قوة للسياسة الخارجية لادارة بوش الابن تجاه القضية الفلسطينية، يكمن في الضعف الداخلي للسلطة الفلسطينية، والظهور غير الرسمي لحزب ايديولوجي ـ سياسي صهيوني فلسطيني ومرتزق للغرب، رافعا لواء المفاوضات الابدية.  ناهيك عن انه ذهب الى ابعد من المواقف السياسية التقليدية للانظمة الرجعية العربية الحليفة لامريكا. يتطابق ذلك الحزب ويتشابك مع حزب البيروقراطية الفلسطينية ويشكل نتيجة ملموسة لتراجع القضية الفلسطينية، بشكل رئيسي منذ اتفاق اوسلو 1993. كلا الحزبين يشكلان مسخا اجتماعيا سياسيا يرفع راية  الشعار الانهزامي"السياسة هي فن الممكن".
لقد اخترقت الايديولوجيا الامبريالية الصهيونية المعولمة، من خلال الليبرالية الجديدة ومؤسساتها عابرة الاوطان، مجتمعات باكملها في منظوماتها السياسية والمدنية ايضا. في الحالة الفلسطينية، جاءت العواقب اكثر خطورة لاسباب مختلفة اهمها على الاطلاق: كون الوطن الفلسطيني كاملا لا زال يتعرض للسلب على يد “اسرائيل” وحلفائها، بينما يوجد حوالي ستة ملايين لاجيء فلسطيني مشتتين في العالم. اذ ان "اخلاقية السوق، وهي ليست الا اخلاقية الغبيّ الاجتماعي (...) تقدم فردوس الاستهلاك على انه الحل النهائي الجديد. السياسة الحالية تتمثل في تاسيس نسق من حكّام سفهاء، يحملون فكر النظام (الامبريالي). حكام اثرياء يمكن ان يتلاعب بهم، مَن يمسك خيوط السلطان الحقيقي، ويبدون خانعين امام الاقوى، وينتهون الى المذلة واللّواط في السوق. الامبريالية تعلم ذلك، وعندما يتحولون الى اغبياء اجتماعيين، يجعلونهم رؤساء او قادة معارضة خاضعين لسياسة اهل فوق"[34].
دون الاغفال اطلاقا للعامل الطبقي الموجود في اصل هذه الظاهرة، فان الامتيازات التي وهبتها قوة الاحتلال (“اسرائيل”) لذلك الحزب، والاموال التي يمنحها الاتحاد الاوروبي، والمساعدات المالية التي تقدمها امريكا وبعض الدول العربية، لا زالت تساهم في تقوية وبلورة مصالح طبقية كبيرة (بالاحرى مصالح لشلل منسلخة طبقيا او تقف على هامش الطبقات) اصبحت ترى في استمرارية الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني عقبة امام تلك المصالح التي يدافعون عنها باستماتة. ولهذا فان سلوكهم السياسي، انطلاقا من مراكز ومؤسسات السلطة الفلسطينية، يتواءم ويتماثل مع سلوك دولة “اسرائيل” وفي خدمة الاهداف الاستعمارية في فلسطين التاريخية. في تقديري، تصرفت السلطة الفلسطينية في رام الله، في اتجاه معاكس لمصالح الشعب الفلسطيني، وتكفلت بامن قوة الاحتلال، بموافقة امريكا، بينما تشبثت “اسرائيل” بلاءاتها الخمسة المعروفة.
ولتوضيح هذا الواقع الماساوي بمثال ملموس، يكفي الاستشهاد بسلك الممثل الفلسطيني (الصهيوني) لدى الامم المتحدة: "ان عقلانية وواقعية ممثلنا في الامم المتحدة، رياض منصور، حملتاه على تقديم مشروع قرار امام الجمعية العامة، يطالب فيه باعتبار قوات المقاومة الفلسطينية، التي تتصدرها حماس في قطاع غزة، على انها قوات وميليشيات غير قانونية، وبالتالي فتح الباب امام “اسرائيل” وامريكا والاتحاد الاوروبي، لكي ينعتوا النضال الوطني الفلسطيني بانه ارهاب"[35].  واكثر من ذلك وقبله، وبتاريخ 2 اغسطس 2007، "صوّت رياض منصور، بناء على ايعاز من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ضد مشروع قرار عربي ـ اسلامي، يدعو الى رفع الحصار المفروض على قطاع غزة (...) ان هذا التصرف يليق بمندوب الكيان الصهيوني، على حدّ قول عبد الباري عطوان، رئيس تحرير صحيفة القدس العربي اللندنية"[36].
تمشيا مع توجيهات وآليات سياسة الادارة الامريكية الهادفة الى تجسيد رؤية حل الدولتين، تبقي السلطة الفلسطينية كخيار وحيد وحصري للتعامل مع قوة الاحتلال: المفاوضات الى مالانهاية. لقد استبدلت الادارة "قرارات الشرعية الدولية بالمرجعية الامريكية ـ الاسرائيلية وبمدخل امني، مما يتيح لها التمتع بمزيد من الوقت، وامكانية مواصلة دبلوماسية الخداع والتضليل، وتكريس الانقسام الفلسطيني والعربي، وافراغ حقوقهم من مضمونها"[37].
المفاوضات الجارية بين السلطة الفلسطينية و”اسرائيل”، تحت اشراف وبوساطة امريكا، كانت ولا زالت تخضع لموازين القوى المحلية والاقليمية والدولية، التي انعكست في اتفاق اوسلو عام 1993. عملية المفاوضات الراهنة لا زالت تتسم باستمراريتها غير المبررة، اذ انها لم تسفر عن اي تقدم، حتى لتطبيق ما تم الاتفاق عليه في اوسلو 1993، وتدور في ظل عمليات عسكرية “اسرائيلية متواصلة في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء. بناء على ما تقدّم، ممّ تتكون عملية المفاوضات؟ اخمّن ان الامر يتعلق بعملية شرعنة للاستيطان الصهيوني في فلسطين، وشرعنة لايّ حلّ مميّع يستجيب للمصالح الطبقية للنخبة السياسية للسلطة الفلسطينية.
مارتن انديك Martin Indyck، سفير امريكي سابق لدى “اسرائيل”، اعتبر ان الوضع الراهن في الاراضي الفلسطينية التي احتلتها “اسرائيل” عام 1967، امرا واقعا بدولتين فلسطينيتين (حماس ـ ستان، دولة فاشلة وارهابية في قطاع غزة، وفتح ـ ستان في الضفة الغربية، دولة قابلة للحياة والحكم) وبالامكان ان تصبحا جزء من الحل الذي تقترحه ادارته: حل الدولتين. وقد اوحى انديك الى محمود عباس بانه "يستطيع ان يعول على “اسرائيل” من اجل القضاء على خصمه حماس؛ واللجوء الى الاردن وامريكا من اجل اعادة تركيب اجهزته الامنية؛ والتفاوض على مستقبل الضفة الغربية مع “اسرائيل”؛ والتوقيع على اتفاق سلام، في سبيل الاعلان عن دولة بحدود مؤقتة، في الضفة الغربية والاحياء العربية من القدس الشرقية"[38].
انني مع الراي القائل بان خطة انديك، تفتقر الى المستلزمات التي لا بد منها، من اجل بناء دولة، وتحاول شرعنة ائتلاف يضم امريكا و”اسرائيل” والانظمة العربية الرجعية وسلطة رام الله الفلسطينية،  قد يشن حربا ضد خصم مشترك، ينعتونه بانه "دولة فاشلة وارهابية" في غزة، في سياق استراتيجية الحرب العالمية الامريكية على الارهاب، وفي اطار الفوضى الخلاقة، لتمهيد الطريق امام مشروع الشرق الاوسط الكبير، وليكن الثمن تدمير القضية الفلسطينية.
لقد حاولوا ترسيخ مفهوم دولتين فلسطينيتين في الاراضي المحتلة عام 1967، في نطاق الترويج لثقافة سياسية تقبل وتدافع، في نهاية المطاف، عن دولتين خياليتين، وتتناسى المهمة الاستراتيجية بتحرير فلسطين التاريخية. اننا لم نعرف في تاريخ العلاقات الدولية، ان حكما ذاتيا مدنيا محدودا تحت احتلال عسكري امبريالي، قد تحول الى دولة مستقلة وسيادية، ناهيك عن تحقيق ذلك من خلال المفاوضات.
______
 
·       موقع "كنعان":
http://kanaanonline.org/ebulletin-ar

بحث في الموقع

البحث في

العناوين فقط
العناوين والنصوص
 


القائمة البريدية




بحث Google

Google  

جميع الحقوق محفوظة للجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية
2002 - 2017