الجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية ونصرة فلسطين
     الخميس، 23 شباط 2017

الصفحة الرئيسية -->مقاومة التطبيع -->ثورة مصر وكامب ديفيد 2/9/2011


أرسل لصديق طباعة حفظ
 

ثورة مصر وكامب ديفيد 2/9/2011

ثورة مصر وكامب ديفيد

سـميركـرم
تناقضت الأنباء الرسمية الصادرة من مصادر اسرائيلية، كما تناقضت الأنباء الرسمية الصادرة من مصادر رسمية مصرية خلال الفترة الاخيرة منذ احداث إيلات - سيناء.
لكن الاخبار الشعبية لم تتناقض. وحينما نقول الاخبار الشعبية، فالمفهوم والمقصود هنا هو الاخبار الشعبية المصرية. ذلك ان الجماعات الشعبية الاسرائيلية لا وجود لها على اي اتجاه في الظروف الخطرة الراهنة. فالحركة الشعبية المصرية نشطة وواعية وتؤكد وجودها وفاعليتها على الساحة السياسية بشكل لا يمكن إغفاله من اي جانب. ولم تدع الحركة الشعبية المصرية فرصة احداث إيلات – سيناء الاخيرة إلا وأكدت انها ترى ضرورة الرد على العدوان الاسرائيلي غير المبرر الذي قضى على حياة خمسة من الشبان المصريين من افراد القوات المسلحة المصرية. ولم تترك هذه الحركة الامر عند حدود تأكيد وجوب الرد على هذا العدوان، لقد اكدت وجوب طرد سفير وسفارة اسرائيل من مصر ووجوب إلغاء معاهدة كامب ديفيد المعقودة مع اسرائيل، فضلا عن طلب التعويض عن استشهاد رجال القوات المسلحة الخمسة.
بل إن الحركة الشعبية المصرية لم تدع مجالا للشك في انها تؤيد الفلسطينيين والقضية الفلسطينية ضد اسرائيل والسياسات الرسمية الاسرائيلية. وقد كان رفع علم مصر وإنزال علم اسرائيل من فوق مقر السفارة الاسرائيلية عملاً وطنياً رمزياً تعانق وامتزج مع هتافات الشباب المصري لقضية فلسطين وحقوق الفلسطينيين. ولم يفوت الشباب المصري فرصة يوم القدس فرفع في تظاهراته أمام السفارة الاسرائيلية شعارات من قبيل «مطالبنا يوم القدس طرد السفير الصهيوني» ومن قبيل «لبيك يا قدس في يوم القدس». فلم يكن الموقف الجماهيري المصري إظهاراً للعداء تجاه اسرائيل فحسب، انما كان تأكيداً لتأييد الشعب الفلسطيني. وقد جاء هذا في وقت ارادت فيه قوى اسرائيلية وأميركية الزعم بأن الصراع في سيناء هو صراع بين مصر والمقاومة الفلسطينية.
ويمكن القول من دون ادنى درجة من التردد، بأن الحركة الشعبية المصرية التي اظهرت زخم اهتمام الشباب المصري بقطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل، هي امتداد او فرع من ثورة الشباب المصري التي توقفت إرادياً وبقرار منها، وليس من غيرها، تقديراً لظروف شهر رمضان وطقوسه الدينية والشعبية. هي اذن صيحة شباب ثورة 25 يناير ضد اسرائيل وسياساتها وضد كامب ديفيد وقيودها على سياسات مصر الرسمية.
كما يمكن القول من دون ادنى درجة من التردد، ان ثورة الشباب المصري تعي جيداً الدور الاميركي الضاغط الذي اسلم الموقف الرسمي المصري الى حالة من التردد والارتباك بشأن ما اذا كان من الحتمي إعلان الرغبة في إلغاء معاهدة كامب ديفيد التي تحظى بتوقيع الرئيس الاميركي، او الاكتفاء بإعلان ضرورة تعديل هذه المعاهدة التي تختلف الى اقصى الحدود ظروف توقيعها قبل اثنين وثلاثين عاماً وظروف وأوضاع مصر الثورة الحالية.
مع ذلك، فإن مصر استطاعت ان تسمع صوتها وصوت إرادتها السياسية في الظرف الراهن عالياً الى حد بدا الى جانبه موقف الهيئات الرسمية خافتاً غير مسموع، بل بدا أن احداً لا يأخذ هذا الموقف الرسمي بجدية. وتخلل ذلك تهديد الإدارة الاميركية، بلسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، وتهديد زعماء مجلسي الكونغرس الاميركي بالمثل، بقطع المساعدات الاميركية عن مصر في حال أقدمت على إلغاء معاهدة كامب ديفيد التي يعتبرها الرسميون الاميركيون معاهدة ثلاثية بحكم وجود توقيع الرئيس الاميركي (جيمي كارتر) عليها، الى جانب توقيعي الرئيس المصري (آنذاك) انور السادات ورئيس الوزراء الاسرائيلي (آنذاك).
ولا يحتاج المرء الى دليل للتأكيد بأن الموقف الاميركي هذا قد رفع درجة استعداد اسرائيل لتحدي الارادة المصرية بشأن كامب ديفيد، وفي الوقت نفسه فإنه هبط بمعنويات الرسميين المصريين، عسكريين ومدنيين، الى نقطة استبعاد إلغاء المعاهدة نزولاً الى نقطة تعديلها. قبل ايام (بالتحديد في 27/8/2011) اعلن مصدر رسمي مصري ان الاتفاق على زيادة القوات المصرية في سيناء لم يتم، فهو لا يزال محل تفاوض. والمقصود بالتفاوض هنا الاطراف الثلاثة الموقعة على معاهدة كامب ديفيد. وكان مسؤول مصري رسمي آخر قد صرح قبل ذلك بأن اسرائيل وافقت على تعديل معاهدة كامب ديفيد بحيث تسمح لمصر بزيادة قواتها المسلحة على ارض سيناء. وفي اعقاب النفي المصري الرسمي لمثل هذا الاتفاق جاء تصريح ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي بأن اسرائيل لن تدع مصر ترسل مزيداً من قواتها الى سيناء في الوقت الحاضر. وقد جاء هذا التصريح من باراك بعد ايام معدودة من تصريح له هو نفسه بأن اسرائيل ترى من مصلحتها ان تسمح لمصر بمزيد من قواتها في سيناء، وذلك للتغلب على ما اسماه حالة الفوضى على طول الحدود بينها وبين اسرائيل. وفي اعقاب هذا التصريح السلبي من جانب باراك قال روفين ريفلين، رئيس الكنيست الاسرائيلي – وهو من كتلة الليكود اليمينية المتطرفة - إن اي تعديل في نصوص معاهدة كامب ديفيد يتطلب بالضرورة موافقة الكنيست الاسرائيلي عليه.
ولقد اختارت صحيفة «هاآرتس» الاسرائيلية المستقلة تفسير تناقض تصريحات باراك في هذا الصدد بأنه دليل على وجود تناقض داخل حكومة اسرائيل. في الوقت نفسه ادلى الرئيس الاميركي الأسبق كارتر بتصريحات (27/8/2011) قال فيها إن اسرائيل لم تلتزم بنصوص معاهدة كامب ديفيد. وقال في الوقت نفسه، إن ما يحدث الآن مؤشر على تغيير موقف القيادة المصرية، كما انه مؤشر على عزلة اسرائيلية متزايدة. وليس من الصعب استنتاج ان تصريح كارتر هذا يعكس انطباعاته من قوة الاحتجاجات الشعبية المصرية والمطالب الشعبية بإلغاء المعاهدة.
اهم من هذا ما قاله كارتر في الإطار نفسه، من انه يدرك انه وقع هذه المعاهدة مع دكتاتور (انور السادات)، وقال أيضاً إن حسني مبارك كان دكتاتوراً، وهو ما يعتبر إشارة منه الى ان المعاهدة فرضت على الشعب المصري منذ توقيعها وحتى تنحي مبارك.
ووسط ردود الفعل المتباينة، وفي جو حرية الرأي وحرية الصحافة السائدة في مصر بصورة غير مسبوقة، يلفت النظر ان صحيفة مصرية هي «الشروق» طلعت على قرائها بمانشيت يقول نصه «العسكري»، والمقصود هنا هو المجلس الاعلى للقوات المسلحة، الذي يعد أعلى سلطة في البلاد في الوقت الحاضر، «يرفض التصعيد ضد اسرائيل لأسباب ليست للنشر». وجاء نص السطر التالي من المانشيت نفسه ليقول: «ممثلو الاحزاب والقوى السياسية يرفضون التوقيع على بيان الحكومة بشأن اعتداءات اسرائيل». ذلك ان البيان الحكومي الذي طالبت الحكومة – ممثلة بنائب رئيس الوزراء علي السلمي – جاء خالياً من المطالب الشعبية التي ارتفعت بها هتافات ولافتات المتظاهرين، وهي طرد السفير الاسرائيلي وقطع العلاقات مع اسرائيل وإلغاء معاهدة كامب ديفيد ووقف ضخ الغاز المصري الى اسرائيل.
مع ذلك فإن البيان الذي اعدته الحكومة المصرية قد اكد «ان مصر قادرة على حماية حدودها ورعاية أمنها القومي، وأن أبناءها يرفضون كل ما يمس امن مصر، وسيناء في القلب منها. وسوف يواجهون اي محاولة للمساس بسيادة مصر بكل الحزم...فلا يُقبل من احد التدخل في شؤون مصر الداخلية او الأمنية». وحذر البيان اسرائيل «من محاولة استغلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها مصر».
كذلك لم تفت الحكومة المصرية في هذا اليوم فرصة التأكيد بأنه «لا دوريات مشتركة مع اسرائيل على الحدود».
وفيما بين المواقف المتباينة على «الجبهة المصرية» السياسية كان اختلاف الرأي في اسرائيل يصل الى حد المحاولة الصريحة لإضفاء طابع الإيمان المطلق باستمرار سياسات النظام القديم المصري تجاه إسرائيل – خلافاً لما اكده الرئيس الأسبق كارتر – فقد ذهبت افتتاحية صحيفة «هاآرتس» الاسرائيلية الى حد القول في افتتاحيتها (27/8/2011) «ان على اسرائيل ان تتعامل مع السلطة الجديدة في مصر باعتبارها حليفاً لها». وقالت «إن على المؤسسة السياسية في اسرائيل ان تدرس الوقائع التي تسببت باندلاع ازمة في العلاقات بينها وبين مصر ...لا شك في ان العلاقات الاسرائيلية المصرية تواجه الآن اختباراً صعباً. اذ ان اسرائيل تدّعي ان المجلس الاعلى للقوات المسلحة في مصر غير ملتزم بالحفاظ على الامن ولا يسيطر على شبه جزيرة سيناء مثل السلطة المصرية السابقة. ومع ذلك تتهم مصر اسرائيل بقتل جنودها والاستخفاف بقدراتها. وفي حال استمرار هذه الاتهامات المتبادلة فإن ذلك من شأنه ان يؤدي الى تدهور العلاقات بين الدولتين، فضلا عن ان النتيجة المباشرة لذلك تمثلت في قرار مصر سحب سفيرها من تل ابيب، مع أنها تراجعت عنه في وقت لاحق، في أثر إبداء وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك الأسف على مقتل الجنود المصريين وإعلانه استعداد اسرائيل لإشراك مصر في عملية تقصي الحقائق بشأن ما حدث».
ما تؤكده العوامل المتشابكة لهذه الأزمة ان ثورة مصر ـ ثورة الشباب، ثورة 25 يناير ـ تنتظرها ازمة سياسة خارجية ذات بعد قومي قوي وصريح، بعد العودة الى ميدان التحرير، حتى وإن كان السؤال الآن: هل يعود ميدان التحرير الى سابق عهده مركزاً لحركة هذه الثورة وانطلاقاتها ومطالبها؟ انما الجانب المهم الذي لا يمكن إغفاله هو ان اساسيات الموقف الراهن في الازمة مع اسرائيل تدل على درجة من العمق في التناقض بين السياسة الرسمية المصرية والسياسة الشعبية الثورية المصرية داخل اطار التناقض الأساسي والأكبر بين مصر وإسرائيل. واذا كانت اسرائيل تستطيع ان تستعين بالتأييد الاميركي لسياساتها فإن باستطاعة السلطة في مصر ـ بما فيها السلطة الاعلى ممثلة في المجلس العسكري ـ ان تستند بلا اي ضعف الى قوة الثورة الشعبية ومطالبها. وحينما يتم ذلك علناً وبوضوح سيكون على الجانبين الاسرائيلي والاميركي مراجعة حساباتهما بشأن الثورة المصرية واتجاهاتها وقوة ارادتها.
ان التحدي الراهن الذي تواجهه ثورة مصر هو اكبر تحد واجهته منذ تحدي إسقاط حسني مبارك. لقد اظهرت ذلك بوضوح الكيفية التي عبرت بها الثورة عن نفسها في هذه الازمة وفي ظروف انقطاع نشاطاتها في ميدان التحرير. وتعرف اسرائيل، كما تعرف اميركا، أن معركة استقلال فلسطين في الامم المتحدة خلال ايام ستكون تحت المراقبة من عيون وأذهان شباب الثورة المصرية، وأن موقفاً اميركياً في الامم المتحدة او ضد مصر ( التهديد بقطع المساعدات) سيشكل تحدياً للثورة المصرية بالقدر نفسه الذي تشكل تحدياً لاستقلال فلسطين، وتحدياً لحرية مصر في امر معاهدة كامب ديفيد، بالقدر نفسه الذي يشكل تحدياً لإرادة الثورة المصرية في شأن حماية سيناء.
وإذا أضفنا ان قضية فلسطين تشكل الاختبار الحقيقي والأصعب لثورات الربيع العربي في المرحلة الحرجة الراهنة فإن على اسرائيل والولايات المتحدة ان يضعا هذا التحدي في اعتبارهما باعتباره عاملاً فاعلاً جديداً يؤكد انحسار حسابات القوة الاسرائيلية وحسابات الضغوط الاميركية.
فإما ان تدرك الدولتان ان واقع المنطقة تغير ولا يزال يتغير لصالح الاستقلال والتحرر وحرية الإرادة بعد عشرات السنين من الرضوخ لهيمنة القوة الاميركية وهيمنة الغطرسة الاسرائيلية ... وإلا فإن استقرار المنطقة واستقرار الدولتين ايضاً معرض لاختبارات على درجة من الصعوبة لم يسبق لها مثيل.

بحث في الموقع

البحث في

العناوين فقط
العناوين والنصوص
 


القائمة البريدية




بحث Google

Google  

جميع الحقوق محفوظة للجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية
2002 - 2017