استطلاع "إسرائيلي" ذو دلالة

استطلاع "إسرائيلي" ذو دلالة

أمجد عرار

من الأهمية البالغة قراءة استطلاعات الرأي التي تُجرى في “إسرائيل” بين الحين والآخر، والتوقّف عند مدلولاتها وإدراج هذه القراءة في استشراف مستقبل الصراع العربي “الإسرائيلي” الذي يبرهن بنفسه موضوعياً على أنه صراع تاريخي وأساسي ولا مجال لحلّه تفاوضياً، أولاً في ظل استمرار تحكّم المشروع الصهيوني باليهود وزجّهم في هذا الصراع لأهداف لا تخدمهم، وثانياً في ظل اختلال موازين القوى بين أطراف التفاوض، وثالثاً، وهذه تابعة للثانية، في ظل تفريط الطرف العربي المفاوض بأوراق قوة، وتمسّكه بعوامل غير مجدية مثل المراهنة على حيادية مزعومة ولا أساس لها من جانب الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية إزاء الصراع، أي أن طرفي التفاوض لا يعكسان واقع موازين القوى الحقيقي الذي تغيّر مؤخراً في غير مصلحة “إسرائيل”، من دون أن يترجم هذا التغيّر إلى قوة تفاوضية، بسبب أداء الجانب العربي . 


وعودة إلى الاستطلاعات، وهي بالمناسبة ذات صدقية في “إسرائيل” أكثر من مناطق أخرى، ودلّت التجربة أنها تقدّم صورة صحيحة عن “الإسرائيليين” ككل . آخر هذه الاستطلاعات أظهر تصاعداً في تبنّي المواقف الأكثر تطرفاً وعنصرية لدى فئة الشباب في “إسرائيل”، بما في ذلك منح وزير الخارجية الترحيلي أفيغدور ليبرمان نصيب الأسد من ثقتهم به، بل طلبوا تسلّمه رئاسة الحكومة، متفوّقاً على رئيس حكومتهم الحالي بنيامين نتنياهو وغيره من الصف الأول في القيادة “الإسرائيلية” . 


واستتباعاً لهذا الموقف، يمكن ملاحظة أن 75% من هؤلاء الشباب، وهم من طلبة المرحلة الثانوية، يرفضون رفع الحصار عن قطاع غزة، و60% منهم يعارضون اتفاقاً مع الفلسطينيين يعيد لهم أراضي في الضفة الغربية بما فيها قسم من القدس، و83% يرفضون اتفاقاً مع سوريا يعيد هضبة الجولان المحتلة إلى أصحابها .


أهمية قراءة هذه النتائج أنها تتعلّق بفئة من “الإسرائيليين” هي الجيل القريب الذي سيكون صانعاً للقرار في مرحلة من المؤكد أنها صراعية في غياب الحلول في هذه المرحلة . وإذا كانت مراقبة التطور الفكري والسياسي لدى “الإسرائيليين” تعطي نتائج واضحة لجهة التأكيد أن المجتمع “الإسرائيلي” يتّجه من اليسار إلى اليمين، ومن اليمين إلى يمين اليمين، مع الأخذ بالاعتبار أن هذا التصنيف نسبي وليس مطابقاً للتصنيف السياسي في أي مكان آخر في العالم، وهو يشبه في نسبيته انتماء حزب العمل “الإسرائيلي” إلى الاشتراكية الدولية، وهو مؤسس “إسرائيل”، ومطلق حركة الاستيطان وجالب البرنامج النووي من فرنسا وباني مفاعل ديمونا .


النسب التي يتحدث عنها الاستطلاع ستتحوّل إلى نسب انتخابية، ما يعني تأكيد نظرية التحوّل الفكري المشار إليها باتجاه ما هو أشد يمينية وعدوانية وتمسّكاً بجذور الأيديولوجية الصهيونية التي تقوم على الإلغاء وليس التعايش، وعلى التوسّع والاحتلال وليس التسوية، وعلى القتل والدمار وليس السلام .


لذلك، فإن هذه النتائج الاستطلاعية ليست مفاجئة، وإيرادها هنا فقط من باب قرع ناقوس الخطر في وجه المتمسّكين بخيارات بائسة، فيما الطرف الآخر يتجّه إلى نقل المواجهة إلى أعتاب بيوتنا بعد احتلالها . هذه مواقف تتناغم مع الأجواء والممارسات العنصرية التي تجتاح الرأي العام والمؤسسة الحاكمة في “إسرائيل”، وهي ستترجم نفسها إلى مزيد من التشريعات والسياسات الرسمية المعادية لكل ما هو عربي، وستكون زاداً يغذي فتاوى الحاخامات بقتل العرب ولا استثناء للأطفال .


a_arar2005@yahoo.com